بقلم: علي عبدالكريم راجح
ماذا لو كان جيفري إبستين مسلماً؟ سؤال افتراضي، لكنه كاشف: ماذا لو كان جيفري إبستين مسلماً؟ هل كانت قضيته ستبقى في إطارها الجنائي البحت، أم كانت ستتحول إلى نقاش واسع حول الإسلام وثقافته ونصوصه؟ المسألة هنا لا تتعلق بالمقارنة بين أديان، بل بطريقة القراءة الإعلامية للجريمة حين تتقاطع مع هوية دينية معينة. ففي حالات عديدة، تُعامل الجرائم باعتبارها أفعالاً فردية، بينما في حالات أخرى تتحول إلى مدخل لتشريح جماعة كاملة. إبستين، في واقعه الفعلي، قُدِّم بوصفه فرداً متهماً بجرائم استغلال جنسي، ولم تُطرح ديانته بوصفها تفسيراً لسلوكه، ولم تُستدع نصوص دينية لتأويل انحرافه. وهذا هو المسار الطبيعي في المجتمعات القانونية الحديثة: المسؤولية شخصية، والعقوبة فردية. لكن التجربة المعاصرة تُظهر أن هذا المبدأ لا يُطبَّق دائماً بالقدر نفسه حين يكون الجاني مسلماً.
ما بعد 11 سبتمبر: حين تتحول الجريمة إلى هوية
بعد أحداث September 11 attacks شهدت الولايات المتحدة ارتفاعاً غير مسبوق في جرائم الكراهية ضد المسلمين. فبحسب بيانات مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (FBI)، ارتفعت جرائم الكراهية ضد المسلمين عام 2001 بنسبة تقارب 1600٪ مقارنة بعام 2000. وفي عام 2016، سجلت تقارير رسمية أميركية ارتفاعاً جديداً في الجرائم المعادية للمسلمين بنسبة تجاوزت 19٪ مقارنة بالعام السابق. كما أظهرت تقارير أوروبية صادرة عن وكالة الحقوق الأساسية في الاتحاد الأوروبي أن شريحة معتبرة من المسلمين في أوروبا صرّحت بتعرضها لشكل من أشكال التمييز خلال السنوات التي أعقبت الهجمات الإرهابية التي نفذها أفراد ينتسبون للإسلام.
هذه الأرقام لا تدين مجتمعات بأكملها، لكنها تكشف ظاهرة: حين ترتبط الجريمة بهوية إسلامية، تمتد آثارها خارج الفاعل المباشر لتطال أبرياء لا علاقة لهم بالفعل.
من المسؤولية الفردية إلى الاتهام الجماعي
في الشريعة الإسلامية ، تقوم العدالة على مبدأ شخصي واضح: كل إنسان مسؤول عن فعله وحده. وهذا المبدأ ليس قانونياً فحسب، بل قرآني أيضاً:
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (الأنعام: 164)
فالقرآن يقرر قاعدة أخلاقية حاسمة: لا يُحمَّل إنسان ذنب غيره. بل إنه يرفض التعميم حتى في سياق الخلاف العقدي، فيقول عن أهل الكتاب:
﴿لَيْسُوا سَوَاءً ۗ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ…﴾ (آل عمران: 113)
أي إن الحكم لا يُطلق على الجميع حكماً واحداً. ويؤكد كذلك:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: 8)
فحتى مع وجود خصومة، يبقى العدل واجباً. إذاً، مبدأ عدم التعميم ليس مطلباً حقوقياً حديثاً فقط، بل أصل قرآني راسخ.
العدسة الإعلامية: أين تكمن الازدواجية؟
السؤال ليس: هل توجد أخطاء أو جرائم يرتكبها مسلمون؟ فالجواب واضح: الجريمة موجودة في كل المجتمعات.
السؤال الأعمق هو: لماذا تُقرأ بعض الجرائم بوصفها انحرافاً فردياً، بينما تُقرأ أخرى بوصفها دليلاً ثقافياً أو دينياً؟
حين يرتكب شخص جريمة، يفترض المنطق القانوني أن يُسأل: ماذا فعل؟ لكن في بعض السياقات، يُضاف سؤال آخر: ماذا يقول دينه؟
هنا يحدث الانزلاق: من فرد إلى جماعة، ومن جريمة إلى هوية.
ولو كان إبستين مسلماً، فمن المشروع التساؤل: هل كان النقاش سيبقى في حدود ملف جنائي؟ أم كان سيتوسع ليشمل “صورة الإسلام” و”ثقافة المسلمين” و”نصوصهم المؤسسة”؟ التجربة السابقة تشير إلى أن هذا الاحتمال ليس بعيداً.
خاتمة: الدفاع عن مبدأ لا عن هوية
القضية في جوهرها ليست دفاعاً عن دين بعينه، بل دفاع عن قاعدة عدل: أن الإنسان يُحاسَب بفعله، لا بانتمائه.
كما لا يجوز تحميل اليهودية أو المسيحية جرائم فرد يعتنقهما، لا يجوز تحميل الإسلام انحراف شخص ينتسب إليه. المعيار ينبغي أن يكون واحداً، لأن العدالة التي تتبدل بحسب الهوية ليست عدالة، بل تحيز مقنّع.
إن أخطر ما في الازدواجية الإعلامية ليس الجريمة ذاتها، بل الأثر الممتد الذي يطال الأبرياء بسببها. فإذا سقط مبدأ المسؤولية الفردية، لم يعد أحد في مأمن من أن يتحول — في لحظة ما — من إنسان مستقل إلى رمز يُحاكم باسمه الملايين.
﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾.
فهل يلتزم الخطاب الإعلامي المعاصر بهذا المبدأ حين يشتد الاختبار؟