الإسلام دين ومنه الدولة

نظام الحكم في الإسلام
الكاتب: د. عبدالله باذيب

يرى كثيرٌ من المسلمين اليوم أن الإسلام دين، نعم، بل يعتقد الكثير منهم أنه دينٌ فوق جميع الأديان، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. ويرى كثيرٌ من المسلمين أيضًا أن الإسلام هو وحده الدين الصالح لهذه الحياة؛ لأنه ببساطة من خالق الكون والإنسان والحياة.

إلا أنه في ذات الوقت يرى بعض المسلمين أن الإسلام لم يحدد شكل الدولة، ولم يُعطِ أحكامًا شرعية تحدد نظامًا معينًا في الحكم، بل جعل ذلك «فسحةً» يختار المسلمون ما يشاؤون من أنظمة الحكم التي يرونها مناسبةً لهم، خصوصًا في هذا الوقت المتأخر من الزمان.

وهذه الرؤية للإسلام لم تتولد من فراغ، بل دعا إليها وقعد لها عددٌ كبير من علماء هذا الزمن بمختلف اتجاهاتهم الفكرية، وذلك بسبب الانهزام الفكري أمام العالم الغربي، وبسبب ثقافة الكافر المستعمر في بلاد المسلمين لعقودٍ طويلة، وبسبب أنظمة حكمٍ عميلة ظلت تدافع — بكافة منابرها الفكرية والدينية والثقافية — عن أنظمتها التي لم تنفك عن السير داخل المربع الغربي ومناهجه الفكرية والسياسية والاقتصادية.

بالإضافة إلى عاملٍ آخر أثّر في تلك الرؤية عند المسلمين، وهو بُعد الجيل الحالي عن آخر شكلٍ سياسي إسلامي كان مطبقًا على أرض الواقع؛ فلم يعش الجيل الحالي حياةً إسلامية سياسية، ولم يعش تحت نظام حكمٍ إسلامي فريدٍ ومتميز.

ومن يحاول أن يدعو الناس اليوم إلى تطبيق نظامٍ إسلامي للحكم إنما يستدعي التاريخ كي يحاول تقريب صورة النظام الإسلامي إلى الأذهان، ناهيك عن التشويه المتعمد للإسلام عمومًا، ولشكل نظام حكمه خصوصًا.

وهكذا ظل الجيل الحالي — بمن فيه من علماء — لا يتصورون نظام حكمٍ إسلامي إلا في إطار أنظمة الحكم الموجودة اليوم في واقع الحياة.

الإسلام عقيدةٌ كاملة وشريعةٌ شاملة

إن القول بأن الإسلام لم يحدد شكلًا محددًا لنظام الحكم قولٌ مخالفٌ للحق، بل ويتناقض مع الإسلام عقيدةً وشريعة.

أما من ناحية العقيدة، فإن المسلم يعتقد أن الإسلام دينٌ كامل، وليس بناقص، ولا يحتاج إلى إكماله من الأديان والمناهج الوضعية الأخرى، قال تعالى جل وعلا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾.

وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾.

وأما من ناحية الشريعة، فإن الإسلام أمر بالحكم بما أنزل الله، وأمر بالتحاكم إلى شرع الله، وحذّر تحذيرًا شديدًا من الانحراف عن ذلك ولو قيد أنملة، قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾.

وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.

وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.

وغير ذلك كثير.

والحكم بما أنزل الله لا يكون إلا من خلال نظام حكمٍ متكامل يشمل كافة أنظمة الحياة، وإلا فلن يتم تطبيق الأحكام الشرعية التفصيلية في مختلف شؤون الحياة، وبهذا لن يتحقق الحكم بما أنزل الله على الوجه الذي أمر به الشرع.

الأنظمة في الإسلام: الاجتماعي والاقتصادي وسائر شؤون الحياة

والإسلام وضع نظامًا اجتماعيًا متميزًا، يحدد فيه — بتفاصيل دقيقة — الأحكام المتعلقة باجتماع الرجل بالمرأة في الحياة العامة والخاصة، وما يترتب على ذلك من أمومة وبنوة وأرحام ووراثة وصهارة وغير ذلك من الأحكام المنظمة لبنية المجتمع الإسلامي.

كما أن الإسلام قد وضع نظامًا اقتصاديًا متميزًا للغاية عن أنظمة الاقتصاد الاشتراكية والرأسمالية السائدة في العالم اليوم؛ فالأمر لا يتعلق فقط بحرمة الربا أو حرمة الاحتكار وبعض الأحكام الفرعية، بل يتعلق بتحديد المشكلة الاقتصادية من أساسها، ونظرة الإسلام في حلها بأحكام تختلف تمام الاختلاف عن نظرة النظامين الاشتراكي والرأسمالي إلى المشكلة الاقتصادية وطريقة معالجتها، علاوةً على الاختلاف في تحديد أنواع الملكية وطريقة إدارتها.

وكيف لدينٍ أن يقدم هذه الأنظمة — وغيرها الكثير في التعليم والإعلام والسياسة الخارجية والعقوبات — دون أن يحدد نظامًا للحكم ترتكز عليه هذه الأنظمة؟ بل لن يتأتى تطبيق معظم هذه الأحكام في مختلف شؤون الحياة إلا من خلال نظام حكمٍ متميز، يرتكز على الأساس ذاته الذي انبثقت منه هذه الأنظمة، وهو العقيدة الإسلامية.

نظام الخلافة في النصوص الشرعية

ورغم ذلك كله، فقد جاءت النصوص الشرعية واضحةً في طلب إقامة نظام الحكم في الإسلام، وهو نظام الخلافة الإسلامية. نذكر بعضًا منها:

قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. وقد قال القرطبي: «أجمع العلماء — إلا الأصم — أن هذه الآية دليلٌ على وجوب تنصيب خليفةٍ للمسلمين».

وقال صلى الله عليه وسلم: «تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة ما شاء الله لها أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا ما شاء الله لها أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبريًا ما شاء الله لها أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة» ثم سكت. رواه أحمد في المسند.

وقال صلى الله عليه وسلم: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، إلا أنه لا نبي بعدي، فتكون خلفاء فتكثر»، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: «فوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم». رواه مسلم.

وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما». رواه مسلم.

وغير ذلك كثير من النصوص.

وقد أجمع الصحابة الكرام رضي الله عنهم على أن نظام الحكم في الإسلام هو الخلافة، ولم يأخذوا من الروم أو الفرس نظامًا للحكم، مما يعني أنه ليس في الإسلام نقص، بل هو دينٌ كامل من العقيدة إلى آخر تفاصيل الحكم، وصولًا إلى أحكام الطريق.

📚 لمن أراد التوسع: مقتطفات من كتاب السياسة الشرعية

الخلاصة

والخلاصة أنه لا صحة للفكرة القائلة إن الإسلام لم يحدّد نظامًا للحكم، وجعل للمسلمين أن يختاروا ما يناسبهم من أنظمة الحكم الوضعية، مثل النظام الجمهوري أو الملكي أو الفدرالي أو غير ذلك.

بل حدّد نظامًا واضحًا للحكم هو الخلافة الإسلامية، نطقت بها النصوص الشرعية، وامتلأت بها جوانب التاريخ الإسلامي لمدة ثلاثة عشر قرنًا من الزمان، حتى هُدمت الخلافة الإسلامية العثمانية في آذار / مارس 1924م على يد مصطفى أتاتورك.

إلا أن المسلمين اليوم قد بدأوا يلتمسون طريق عودتها، ويستحضرون وعد الله وبشرى نبيه محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾.

وقال عليه الصلاة والسلام: «… ثم تكون خلافة على منهاج النبوة».

وفي سياق استحضار التجارب التاريخية المضيئة:

🛡️ اقتباسات من كتاب نور الدين محمد زنكي (فهم نماذج القيادة) 📘 اقتباسات من كتاب علم القرآن التنموي (البعد الحضاري)
تعليقات