ميزان الكلمة: أمانة الكلمة في سورة الرحمن
سورة الرحمن هي السورة الوحيدة في القرآن التي افتُتحت باسمٍ من أسماء الله الحسنى: "الرحمن". وكأن افتتاحها بهذا الاسم إعلانٌ أن ما سيأتي بعدها من تعليمٍ وخلقٍ بيانٍ إنما هو أثرٌ من آثار رحمته سبحانه. فالحياة كلها قائمة على لغة الفكر وصدق الكلمة التي تمنح الوجود معناه.
تأمل ترتيب الآيات: تعليمٌ، فخلقٌ، فبيان. فالبيان ليس مجرد قدرةٍ على النطق، بل هو تمكينٌ إلهيٌّ للإنسان أن يعبّر عمّا في نفسه، ويكشف عمّا في ضميره. وهذا يدفعنا للتساؤل الجوهري: لماذا نكتب؟ ولماذا منحنا الله هذه القدرة دون سائر المخلوقات؟ إنها الأمانة التي تجعل الكلمة جسراً للحق أو معولاً للهدم.
وهذا البيان يشمل التعليم النطقي والخطي معاً؛ فالكلمة هي من أجلّ نعم الله على الإنسان، وبها قامت الحضارات. الكلمة هي رمز الحقيقة الذي لا يندثر، وبها توارثت الأمم علومها وقيمها عبر الأجيال.
وَبَعضُ الحُروفِ كَشُربِ الدَّواءِ .. تُداوِي الجُـروحَ وَتُشْفي العِلَلْ
وَخَيْرُ الكَلامِ قَلِيلُ الحرُوفِ .. كَثِيرُ القُطوفِ بَلِـيـغُ الأثَـرِ
ولأن الكلمة أمانة، فقد جاءت السنة النبوية مؤكِّدةً خطورة اللسان. ففي حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال النبي ﷺ: «وهل يكبُّ الناسَ في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟». إنها كلمة… لكنها قد تكون سلّم رفعة، أو سبب هلكة.
مسؤوليتنا في عصر التواصل
وفي زمنٍ تضاعف فيه أثر الكلمة عبر وسائل التواصل، وأصبحت الجملة الواحدة تنتشر في الآفاق خلال لحظات، تتأكد مسؤوليتنا أكثر. فما نكتبه ليس حروفاً عابرة، بل أثرٌ باقٍ، وشهادةً مسطورةً في صحائف أعمالنا.
وَالمَرء يَختبر الإِناء بِنَقرهِ .. لِيَرى الصَحيح بِهِ مِن المَصدوعِ
فلنتقِ الله في أقوالنا وكتاباتنا، ولنتذكر دومًا أننا نكتب سيرتنا بألسنتنا وأقلامنا، فلنملأ صحائفنا بما نحب أن نلقى الله به يوم الميزان.