كان بنو أمية يجعلون مناديًا ينادي في موسم الحج: "لا يفتي في الناس إلا عطاء بن أبي رباح." مشهد بسيط في ظاهره، لكنه عميق الدلالة في معناه. عبدٌ سابق، أسود اللون، أفطس الأنف، مفلفل الشعر، إذا جلس كأنه الغراب الأسود — كما وصفه بعض معاصريه — يصبح المرجع الأعلى للفتوى في مكة، ويُقصَد من كل صوب. ذلك هو الإسلام حين يُفهم حق الفهم.
من الرق إلى السيادة: قصة عطاء بن أبي رباح
وُلد عطاء بن أبي رباح سنة 27 هـ في خلافة عثمان رضي الله عنه، في أرض اليمن، من أصول حبشية — وقيل من النوبة — ثم انتقل صغيرًا إلى مكة، وعاش حياة الرق حتى أعتقته سيدته لما رأت فيه خيرًا ونبوغًا.
لم يكن له نسبٌ يُفاخر به، ولا قبيلة تُذاد عنه، ولا لونٌ يرفعه في أعراف الجاهلية. لكن كان له شيءٌ أعظم: الإيمان، والعلم، والصدق مع الله. وقد أخذ العلم عن جمعٍ من الصحابة الذين أدركهم، وتصدر للفتوى بعد ابن عباس رضي الله عنهما، حتى صار فقيه الحجاز ومفتي مكة والمدينة.
تعلموا العلم، فإن العلم يشرف الوضيع، وينبه الخامل، ويرفعه إلى مراتب الملوك.
شهادة التاريخ: حين يهتز عرش الخلافة للعلم
قدم الإمام الزهري على الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، فسأله:
- — من أين قدمت يا زهري؟
- — من مكة.
- — ومن تركت يسودها من أهلها؟
- — عطاء بن أبي رباح.
- — أمن العرب أم من الموالي؟
- — بل من الموالي.
- — فبمَ سادهم؟
- — بالديانة والرواية.
فهز عبد الملك رأسه، هزةُ اعتراف، وهزةُ تصديق لحقيقة كبرى: أن السيادة في الإسلام للعلم والتقوى، لا للدم والنسب.
مشهد آخر: حين يجلس الخليفة بين يديه
حج سليمان بن عبد الملك ومعه ابناه، فوجد عطاء يصلي في المسجد الحرام. انتظره حتى فرغ، ثم جلس إليه يسأله. تعجب ابناه، من هذا الذي ينتظره أمير المؤمنين؟ قال لهما: "هذا عطاء بن أبي رباح. تعلما العلم...". هنا تتجلى روح الإسلام العملية. ليس شعارًا يُرفع، ولا خطبةً تُلقى، بل واقعًا يُعاش.
هذا هو الإسلام… لا فرق إلا بالتقوى
قال تعالى:
هذه الآية لم تكن نصًا محفوظًا في المصاحف فحسب، بل كانت نظامًا اجتماعيًا حيًّا. وقال ﷺ في خطبة الوداع: «إن كل ما كان من أمر الجاهلية موضوع تحت قدمي.» فلا أنساب تُقيم إنسانًا، ولا ألوان تُسقطه، ولا أصول تُرفعه أو تخفضه. قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، لم يقل: أنسبكم، ولا أغناكم، ولا أقواكم، قال: أتقاكم.
عطاء… نموذج السيادة بالإيمان
لم يدفع عطاء إلى الإسلام نسبٌ يعتز به، ولا عصبيةٌ تحميه، بل عقيدةٌ ملأت قلبه، وقناعةٌ رسخت في روحه. فأقر له المجتمع الإسلامي بالسيادة، واحترمه الخلفاء، وجلسوا بين يديه، هيبةً للعلم، لا للهيئة. كأن لسان حاله يقول:
أبي الإسلام لا أب لي سواه
إذا افتخروا بقيسٍ أو تميم
لقد تحرر من وشائج الجاهلية النتنة — كما وصفها القرآن — حين قال تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾، فاستبدلها بحمية الإيمان.
لماذا نحتاج هذه القصة اليوم؟
لأننا أحيانًا نقرأ الإسلام نصوصًا، ولا نراه واقعًا. نرفع شعار المساواة، ثم نقع في تصنيفات الجاهلية الحديثة: لون، قبيلة، منصب، شهرة، مال. قصة عطاء ليست مجرد سيرة تاريخية، بل معيار نقيس به صدقنا مع الإسلام. هل نقدم أهل التقوى؟ أم أهل النفوذ؟ هل يعلو عندنا صوت العلم؟ أم صوت العصبية؟ قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
خاتمة: الإسلام الذي نريده… هو الذي عاشوه
هذا هو إسلامنا حين يكون حيًا في النفوس: يرفع العبد، ويكسر معايير الجاهلية، ويجعل الملوك يجلسون بين يدي العلماء. ليس لأنهم أبناء سلالة، بل لأنهم أبناء التقوى. عطاء بن أبي رباح لم يملك مالًا، ولا نسبًا، ولا هيئةً تُبهر الأبصار، لكنه ملك ما هو أعظم: قلبًا امتلأ إيمانًا، وعقلًا امتلأ علمًا، فامتلأت له القلوب توقيرًا. وهكذا يكون الإسلام.
مقالات ذات صلة
مدونة اقرأ هدفك | طريقك نحو الوعي والارتقاء