الإنصاف من شيم المعالي

الإنصاف من شيم المعالي – قراءة في التاريخ العثماني

بقلم: محمد الصناعي
الإنصاف في قراءة التاريخ العثماني ومسلسلي أرطغرل وعثمان

ما شاهدته في مسلسل أرطغرل، وتشاهده في مسلسل عثمان، هو خيالٌ مؤلَّف بلا شك، لكن لا تقل ذلك استخفافًا بواقع الزمان العثماني.

فالخيال الدرامي لا يحجب حقيقةً تاريخيةً ساطعة كشعاع الشمس، أدركها الأجداد قبل أن يدركها المؤلفون، وهي أن الهلال العثماني هلّ على العالم في زمنٍ كانت فيه المنطقة بين إمبراطوريتين عظيمتين: المغولية والبيزنطية.

تأسيس رعاةٍ لدولةٍ إسلاميةٍ وسط هذا الصراع الهائل أمر يفوق خيال الروايات. فإن كان تطاير الجماجم في المسلسل أكشنًا دراميًا، فالحقيقة لم تكن تراشقًا بالحصى، بل صراع بقاء وصناعة تاريخ.

وإن كانت شخصيات مثل حليمة ومالهون وبالا وغونجا وآيجول مجرد ممثلات أدوار، فلا يعني ذلك أن النساء الحقيقيات كنّ كنساء زماننا المتراخيات. من أنجبن نواة دولة دامت ستة قرون لا بد أن يكنّ عظيمات بقدر عظمتها.

الخيال يرسم صورة، لكن الحقيقة الغائبة دائمًا أعظم وأشق وأبلغ مما نتخيل. فالتاريخ ليس مسرحًا، بل تضحيات وصبر وبناء طويل.

أما شجاعة الأتراك فليست وهمًا دراميًا؛ فقد قيل: «أكل العرب الإبل فأخذوا منها الغيرة والغلظة، وأكل الأتراك الخيول فأخذوا منها الشراسة والقوة».

وفي الأخير، لمن يتحسس من التاريخ العثماني ويصفه بالاحتلال: لك رأيك، ولكن وأنت تعادي، تذكّر أن الشاهد بشجاعة عدوه أو بشهامته هو شجاع وشهم، لا يتنصل من أصله إذا أنصف غيره.

فذوو التاريخ الشريف لا يجرمنهم شنآن قوم على ترك العدل، بل يكونون أشد التصاقًا بالإنصاف، ومجاهرةً بالحقيقة، أيًا كان صاحبها.

ولله درّ ذلك الفارس الذي وقف على جثة عدوه بعد الظفر به، فقال لجنوده: «ادفنوه كما يليق بفارسٍ ذاد عن قومه بحياته».

تعليقات