في هذه القراءة العميقة، نستعرض مفهوم السلام الحقيقي والعدالة في ظل المتغيرات الدولية الراهنة. يتناول المقال بقلم ذ. عثماني تساؤلات جوهرية حول الفارق بين السلام الذي تُعلنه المحافل والواقع الذي تعيشه الشعوب المكلومة. إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد صراع سياسي، بل هو اختلال في ميزان القيم الكوني، حيث يطول ليل الأمة وتغيب بوصلة الضمير خلف ضباب الشعارات الرنانة. سنبحر في كلمات هذا المقال لنحلل أسباب ضياع المعنى، وكيف يتحول الصديق إلى عبء، ولماذا لا يمكن للقوة مهما بلغت أن تُصلح قلوباً كسرها الظلم، وصولاً إلى الحقيقة الراسخة بأن الفجر والعدل قانونان إلهيان لا يمكن إلغاؤهما مهما اشتدت الظلمة.
بقلم: ذ..عثماني
ماعاد نلمح فيه نجم
ماعاد يخفق فيه قلب
ماعاد يرقص فيه غصن
ماعاد يهنأ فيه بال
ياللظلام
أرسى ركاما من شظايا
. وأحال أمتنا حطام
فالأفق يكسوه الضباب
والخيل تنهشه الذئاب
والارض أورام ملطخة بدم
لاتستريح من الألم
والكل يعلن في المحافل
أننا نبغي السلام
ولاسلام
هل للعواصف من شراع
هل للأفاعي من قلاع
هل يسعف القصف الجياع
ياللضياع
غاب الأمان
فقد الطريق ضجيجنا
ولاحبيب يزورنا
ياللنحيب
يالصوت البورزان
صار الحليف هوالعدو
والصديق هو الزؤام
نستنجد العرب الكرام
جدب ولاعرب هناك
باد الكرام
حين يُعلن العالم السلام… ولا سلام
هناك لحظات في التاريخ يطول فيها الليل حتى نظن أن الفجر قد نُسي طريقه. لا لأن الشمس غابت، بل لأن القلوب أغلقت نوافذها. الليل هنا ليس ظلام السماء، بل ظلام المعنى. حين تتكدّس الشعارات، وتتناقص القيم. حين يرتفع صوت المؤتمرات، ويخفت صوت الضمير. نعلن في المحافل أننا نبغي السلام. لكننا لا نسأل أنفسنا: أي سلام هذا الذي يُبنى فوق أنقاض العدالة؟ وأي أمان ذاك الذي يمرّ فوق جراح الجياع؟ السلام ليس كلمة تُرفع في بيان. السلام ميزان. والميزان إن اختلّ، سقطت الكلمات مهما زخرفت.
السلام الذي لا يولد من رحم العدل
من السهل أن نطالب بالهدوء. لكن من الصعب أن نعيد الحق إلى أهله. العواصف لا تهدأ لأننا طلبنا منها ذلك، بل لأنها وجدت أرضًا تستقر عليها. حين يُقصف الجائع، لا يصبح أقل جوعًا، بل أكثر غضبًا. وحين يُحاصر المظلوم، لا يتعلم الطاعة، بل يتعلم الصبر الطويل الذي قد يتحول يومًا إلى انفجار. السلام لا يُصنع بالقوة. القوة قد تُسكت الأصوات، لكنها لا تُصلح القلوب.
المفارقة الكبرى
أشد ما يؤلم في المشهد المعاصر ليس كثرة الدماء فحسب، بل اعتيادها. أن يصبح الخبر رقمًا. أن تتحول الفاجعة إلى شريط عاجل. أن يمضي العالم إلى نومه مطمئنًا لأن البيان صدر. في هذه اللحظة تحديدًا يتحوّل الليل من ظلمة عابرة إلى حالة روحية. الضباب لا يغطي الأفق فقط، بل يغطي البصيرة.
حين ينقلب الحليف
من علامات اختلال الأزمنة أن تتبدل المواقع دون تبدل المبادئ. فيصبح الصديق عبئًا، ويصبح القريب خصماً، وتصبح المصلحة معيار الانتماء. هنا لا تضيع الأوطان وحدها، بل تضيع المعاني. وما أخطر ضياع المعنى. لأن الأمة التي تفقد تعريفها للعدل تفقد قدرتها على صناعة السلام.
هل من سبيل؟
السؤال الحقيقي ليس: هل نريد السلام؟ بل: هل نحن مستعدون لدفع ثمنه؟ ثمن السلام عدلٌ يُعاد، وكرامة تُصان، وحقٌّ لا يُساوَم عليه. السلام ليس تنازلاً عن الحقيقة، بل انتصارًا لها.
الحكمة التي يغفلها العالم
كل حضارة سقطت لم تسقط لأنها كانت ضعيفة، بل لأنها تنازلت عن ميزانها الداخلي. والميزان ليس سلاحًا، ولا اقتصادًا، بل قيمة. حين تُستبدل القيمة بالمصلحة، يبدأ الليل. لكن الليل – مهما طال – لا يملك أن يمنع الفجر. الفجر قانون كوني، والعدل قانون إلهي، والحق وإن أُخر، لا يُلغى.
الخلاصة
قد يكثر الحديث عن السلام، لكن السلام الحقيقي لا يولد في القاعات، بل في الضمائر. ولا يُكتب بالحبر، بل يُكتب بالمواقف. وما دام في الأمة قلب يخفق للحق، وعقل يرفض التزييف، وروح تؤمن أن العدل أصل الوجود، فإن الليل – مهما اشتد – لن يكون نهاية الحكاية.