في هذا المقال، نقدم قراءة متعمقة لكتاب مسلكيات للمفكر الإسلامي إبراهيم السكران، الذي جمع فيه مسالك العلم والإيمان بأسلوب فريد. نستعرض أهم المسالك، ونناقش العوائق والتحديات التي يواجهها الباحث في طلب العلم، مع إضاءات تحليلية ونصائح عملية. كما نضيف اقتباسات ملهمة وروابط داخلية لمصادر ذات صلة لتعزيز الفائدة.
جاء اسم الكتاب الذي يبدو غريباً؛ جمعاً لمسالك علم و إيمان انتخبها المؤلف بعد تأملات و تفحّصات دونها في أزمان مختلفة.
التعريف بالكاتب:
إبراهيم السكران باحث ومُفكِّر إسلامي، مهتمٌ بمنهج الفقه الإسلامي وبالمذاهب العقدية والفكرية، له العديد من المؤلفات والأبحاث والمقالات المنشورة وله عدد من الكتب المطبوعة.
تاريخ الميلاد: 4 أبريل 1976
أولاً : مسالك العلم : [ المناهي ]
▪️ المسلك الأول : جسر التعب :
اعلم أن معالي الأمور و الطموحات الكبرى في العلم و التعليم و التأليف و الإصلاح و التغيير و النهضة بالأمة ؛ لا تكشف وجهها لك ، حتى تمسح العرق عن جبينك بيد ترتعش من العناء ؛ فهذه حقيقة دل عليها الشرع و صرخت بها تجارب الحياة.
و مع ذلك فما زال في كثير من النفوس وهم مطمور أنه يمكن أن يبلغ المرء المجد و هو لم يكابد المشاق و يلعق الصبِر ، فما زالت الخطط فوق الصخور و الأرجل ناعمة ما حفيت بعد ؛ و سبب ذلك عامل نفسي يفسر كثيرا من فشل الطموحات و الاحلام : نقص الجدية ؛ فإنك تجد في عزم كثير من الناس شُعبا من الخير و الإنجاز و الإنتاج .. لكنها لم تتجاوز بعد مرحلة المشروع.
و من المعينات على تحمل مشقة المعالي أن يستحضر في ذهنه الثمرة و حسن العاقبة فمن تلمح فجر الأجر هان عليه ظلام التكليف.
▪️ المسلك الثاني : مأزق المترقِّب :
المترقب هو المتفرج على ما يُحيط به من جدالات و نشاطات ثقافية و علمية لكنه يبقى واقفاً كالمشلول من دون أن يحدد ما يريد أو مع من يكون أو إلى أين يمضي ...
مشتت الذهن أضاع مرحلته الذهبية مرحلة الشباب و قوة الملكات في " ترحيل المهام " ، و لم يفده التطور التكنولوجي إلا مزيداً من إضاعة الوقت و مخاشنة في القول و ترهل في قدراته الذهنية بسبب تعود عقله على التغريدات والوجبات السريعة.
و من أكبر عوامل هذه الحالة ما يمكن تسميته مشكلة " التقطع و الترحل في أنصاف المشروعات " فهو ما أن يبدأ في كتاب حتى ينتقل إلى غيره قبل أن يكمله ، و ما أن يدخل في علم حتى ينقطع عن دروسه و تراه منتظماً في دروس علم آخر.
▪️ المسلك الثالث : إلباس العجز جبة الحكمة :
تجد كثيراً من الناس في لحظات الفتوة العلمية و اليفاعة الدعوية " فلكي الطموحات " يتحامل على نفسه أن يصافح النجوم و هو في أسفل الوادي ، فكلما سمع اسم علم هفت نفسه إليه ، و كلما نبا إليه خبر ثغري دعوي تخيل نفسه يطير إليه ، ثم لا تلبث ارتطامات الواقع و كدمات تعثر المشروعات أن تحفر أخاديد الإحباط في أحلامه ، و تتنوع استجابات الناس لهذا السيناريو المتكرر في حياة الكثيرين ؛ و لكن أسوأ الاستجابات الشائعة ، استجابة يمكن تسميتها : ( إلباس العجز جُبة الحكمة ).
من أمثلة هذه الاستجابة :
- أن حفظ العلم في الصدور من أعظم شعب العلم ، فإذا لم يستطع بعض طلبة العلم ذلك ، لم يعترف بالعجز و لا يجتهد في تحفيز إخوانه ممن يستطيع على ذلك ، بل تراه يخذل و يبتكر ألوان الملامز في المشتغلين بحفظ العلم و يخترع متضادات ليست أضداداً أصلاً كتضديدهم بين الحفظ و الفهم ، و هل رأيت أحداً أصلاً يقول :" أوصيك أن تحفظ و لا تفهم !" ، بل كل من يقول لك احفظ يقول لك افهم.
- من أعظم وسائل الدعوة اليوم التسلح بقدر أساس من الثقافة المعاصرة ، فإن العلم الشرعي غذاء ، و الثقافة المعاصرة وعاء ، و الوعاء الجميل يفتح شهية المتلقي ، و أكثر العلماء بعد السلف تأثيراً هم العلماء المثقفون كابن حزم و الغزالي ، و ابن تيمية .. بل إن المثقفين الإسلاميين كالمودودي و سيد قطب و الندوي كانوا أكثر تأثيراً من بعض فحول العلماء في عصرنا ، و الجمع بين العلم الشرعي و الثقافة المعاصرة عملة نادرة ، و أهل هذا الجمع هم المؤهلون للتأثير العميق في هذا العصر.
و الحقيقة أنك تجد بعض المشتغلين بالعلم الشرعي لاحظ أنه لا يمكنه الجمع بين العلم الشرعي و الثقافة المعاصرة ، فصار يزهد غيره من أهل العلم في ذلك.
▪️ المسلك الرابع : فن القراءة الجردية :
القراءة الجردية : هي قراءة استكشافية سريعة مسبقة للكتاب ، بحيث يلتقط القارئ من خلالها : هيكل الكتاب و أسئلته الرئيسية ، و مظان المسائل فيه ، و التصورات العامة.
و يحدد من خلال هذا الجرد : ما مدى احتياجه للكتاب ؟ ثم أين يقع موضع الحاجة منه ؟ حتى لا يتورط بصرف قراءة دقيقة تحليلية لكتاب قد يكتشف بعد الانتهاء منه أنه كتاب هش ، أو لا يتلاقى مع احتياجاته ، أو يكتشف أن المفيد منه هو الفصل الفلاني فقط.
و هذا النوع من القراءة كان أحد أهم أنماط الشائعة للقراءة لدى سلفنا ، و من اخبارهم في ذلك قراءة الفيروزآبادي لصحيح مسلم في ثلاثة مجالس ، و قراءة القسطلاني لصحيح البخاري في خمسة مجالس ، و قراءه الخطيب البغدادي على الإمام إسماعيل الحيري في ثلاثة مجالس كل مجلس يبدأ من وقت صلاة المغرب إلى صلاة الفجر ، و علق الذهبي على هذه الواقعة بقوله : " هذه و الله القراءة التي لم يُسمع قط بأسرع منها " ، و قد صدق الذهبي ، فإن صحيح البخاري في طبعته بالحروف العادية يقع في أربع مجلدات.
▪️ المسلك الخامس : التصنيف التحصيلي :
ظلت كثرة مؤلفات الإمام النووي و شهرتها في الأقطار في مقابل قصر عمره العلمي مثار تساؤل و تعجب بين العلماء .. فالنووي ابتدأ في طلب العلم متأخراً نسبياً سنة ٦٤٩هـ و عمره ١٩ سنة و توفي - رحمه الله - سنة ٦٧٦هـ و عمره ٤٥ سنة؟
ظهرت أطروحات متعددة في تعليل ذلك ، لكن أطرف و أعجب هذه التفسيرات ، تفسير أشار إليه العلامة الإسنوي بأن الإمام النووي ( جعل تصنيفه تحصيلاً ، و تحصيله تصنيفاً ) و هو تعبير يمهد الطريق لنحت مصطلح ( التصنيف التحصيلي ).
فقد جعل الإمام النووي تأليفه وسيلة للتحصيل و طلب العلم ، و جعل طلبه للعلم في صيغة مؤلفات فوراً ، و قد كشف -رحمه الله - أن عنايته المبكرة بالتأليف كانت لأهداف التعلم الذاتي و وصفه بأنه بذلك ( يطلع على حقائق العلم و دقائقه ، و يثبت معه ، لأنه يضطره إلى كثرة التفتيش و المطالعة و التحقيق و المراجعة و الاطلاع على مختلف كلام الأئمة متفقه ، و واضحه من مشكله ، و صحيحه من ضعيفه ، و جزله من ركيكه ، و ما لا اعتراض عليه من غيره ، و به يتصف المحقق بصفة المجتهد ).
و مثل التصنيف يندرج كذلك سائر أنواع الإنتاج و العطاء العلمي في كونها وسائل للتعليم : كـ تدريس العلم ، فهو وسيلة من وسائل التعلم و قد سمى الخليل بن أحمد التعليم دراسة فقال :( اجعل تعليمك دراسة). والقضاء ، و الفتيا ، و الخطابة ، و نحوها ، فكلها وسائل تعلّم للشخص ذاته أولاً.
ثانياً : مسالك الإيمان
▪️ المسلك الأول : لقاء العظيمين :
لا شك أن محمد و إبراهيم الخليلين - صلى الله عليهما و آلهما و سلم - هما أعظم شخصيتين في تاريخ البشرية ، حصل اللقاء بينهما لما أسري برسول الله ثم عُرج به إلى السماء السابعة ، و الموضوع الذي تركز الحديث عنه في ذلك اللقاء رواه عدد من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم ( لقيت إبراهيم ليلة أسري بي ، فقال : يا محمد ، أقرئ أمتك مني السلام ، و أخبرهم أن الجنة طيبة التربة ، عذبة الماء ، و أنها قيعان ، و أن غرسها : سبحان الله ، و الحمد لله ، و لا إله إلا الله، و الله أكبر ).
تكمن أهمية هذه الرسالة في أنها رسالة من أبونا إبراهيم عليه السلام ، الذي ارتحل إلى ربه و هو الآن أخبر ما يكون بأنفع شيء لمن لم يمت بعد ألا و هو ( ذكر الله ) ، فهي وصية قادمة من رجل سبقنا في الرحلة إلى المستقبل الأبدي ، فكأنها وصية قادمة من المستقبل الذي سنؤول إليه ، و هي وصية تبني لك موقعاً في الجنة التي هي قيعان تنتظر أن يغرس فيها المؤمن أشجاره بقوله : ( سبحان الله ، و الحمد لله ، و لا إله إلا الله ، و الله أكبر ).
▪️ المسلك الثاني : صفاء الأنبجانية :
من أعجب مشاهد المصلين الخاشعين ما يغزو النفوس من الشعور بالهالة الإيمانية التي تطوقهم ، حتى يعتري الخجل من بجانبهم من الحديث و رفع الصوت ، كأنما ينشر الخشوع في المكان رسالة استنصات ...
و معنى الخشوع في الصلاة الذي ورد في قوله تعالى :" و الذين هم في صلاتهم خاشعون " فسره ابن تيمية بأنه يتضمن السكينة و التواضع جميعاً. هذه هي الحالة التي يريدها الله منا في الصلاة : أن نكون في سكون فلا تطوف أطرافنا و تتحرك و نعبث ، و أن نخفض رؤوسنا و نطرق متذللين لمن نقف بين يديه.
و شواهد السكون والخشوع و الإطراق في صلاة رسول الله كثيرة جدا ، من هذه المشاهد مشهد " الأنبجانية " فقد كان " أبوجهم " أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم " خميصة " كساء من لباس الأشراف ، و يكون فيها أعلام ، و هي خطوط في طرفي اللباس ، فلما لبسه النبي صلى الله عليه وسلم و كبّر للصلاة نظر في الأعلام التي في طرفي الكساء ، فلما سلم ، جاء متضايقاً إلى أهله و قال :" اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم و أتوني بأنبجانية أبي جهم ، فإنها ألهتني عن صلاتي " . ( الأنبجانية : كساء ليس فيه أعلام ).
▪️ المسلك الثالث : جناح الذل :
ثمة كلمة في كتاب الله مرت بي و لأول وهلة سمعتها و هي تحمل سؤالاً في نفسها .. و هي استعارة قرآنية خلبت اهتمامي و هي قوله تعالى :" واخفض لهما جناح الذل ". لماذا أضاف الله هذا ( الجناح ) الحسي المعروف ، إلى ( الذل ) الذي هو سلوك أخلاقي و جزء منه شعوري معنوي ؟
من تتبع كتب التفسير و اللغة نجد أن العلماء استخلصوا أربع دلالات لذلك المعنى : (١- خفض الجناح كالتواضع، ٢- حنواً عليهم كفراخ الطير، ٣- من الوهن، ٤- استسلاماً بين يديهما).
من أعجب القصص التي مرت بي للبر أن التابعي الجليل ميمون بن مهران قال : خرجت بأبي أقوده في بعض سكك البصرة ، فمررت بجدول ، فلم يستطيع الشيخ يتخطاه ، فاضطجعت له ، فمر على ظهري. فانظر إلى هذه الصورة الرفيعة من خفض جناح الذل ، تحول الابن إلى جسر يغمر نفسه في الطمي كي يخطو والده فوقه بقدميه.
لا ... بر الوالدين ليس مقصوراً على الخدمات المادية ، بل هو " خفض جناح الذل " قبل كل شيء ، وانظر إلى الحافظ عبد الله بن عون ، الذي نادته أمه فأجابها ، فعلا صوته صوتها ؛ فأعتق رقبتين. و مثال آخر: التابعي الجليل محمد بن سيرين الذي إذا كان عند أمه ، و رآه رجل لا يعرفه ، ظن أن به مرضا من خفضه كلامه عندها.
▪️ المسلك الرابع : المجرات سلالم اليقين :
يتناول التأثر العلمي للفلاسفة والعلماء مثل جيمس جينز وعناية الله المشرقي ، وكيف يلهم النظر في الكون وعلوم الفلك سلالم اليقين. السير جيمس جينز عندما يلقي نظرة على روائع خلق الله ، يبدأ وجوده يرتعش من الجلال الإلهي ، و عندما يركع أمام الله و يقول : " إنك لعظيم !" أجد أن كل جزء من كياني يؤيدني في هذا الدعاء.
و من أعظم النماذج موقف خليل الله إبراهيم صلى الله عليه وسلم و ما جرى له من أحوال مع الأجرام الفلكية .. و قد نص الله في كتابه أنه أرى إبراهيم " ملكوت السموات و الأرض " لتحقيق نتيجة واضحة و هي قوله " و ليكون من الموقنين ". فالنظر في ملكوت السموات و الارض سلالم يصعد بها القلب إلى مدارات الجزم و خلع الارتيابات.
روابط داخلية مفيدة
خاتمة
يقدم كتاب مسلكيات نموذجاً متكاملاً يجمع بين العلم والإيمان، ويحفز القارئ على تحمل المشاق، والمثابرة، وفهم أعماق التجربة الإنسانية والإيمانية. قراءة الكتاب بعناية تمنح أدوات عملية للتفكير النقدي والتطوير الذاتي، مع الاستفادة من الروابط الداخلية للغوص أكثر في مسالك العلم والإيمان.
مدونة اقرأ هدفك | طريقك نحو الوعي والبناء