بلاغة المرأة: حوارٌ كشف ما لم أكن أراه في نفسي
تعد بلاغة المرأة وقدرتها على البيان واحدة من الركائز التي قام عليها الأدب العربي عبر العصور. في هذا المقال، ننقل لكم حواراً أدبياً ثرياً يغوص في أعماق النفس، ليصحح مفاهيم مغلوطة حول فصاحة النساء وقوة تأثيرهن في اللغة. من خلال استحضار نماذج تاريخية خالدة كالسيدة عائشة رضي الله عنها، نكتشف أن البيان سلطة لا ترتبط بجنس، بل بالعقل والروح. تابعوا معنا هذه الرحلة الأدبية التي تمزج بين الفكر والقصة لتعزيز الوعي بقيمة البلاغة النسائية في تراثنا وحاضرنا.
بقلم: محمد الصناعي – صياغة أدبية
بعد نقاشٍ طويل في اللغة والأدب، بدا لي أن الوقت قد حان لمشاكسةٍ خفيفة.
كانت تتحدث بثقةٍ لافتة، بلغةٍ مشذّبة، وحججٍ مرتبة، فأردتُ أن أختبر حدود هذه البلاغة.
قلتُ ضاحكًا:
— بلاغتكِ هذه تُشككني في كونكِ امرأة! أما سمعتِ قول الفرزدق: إذا صاحت الدجاجة صياح الديك فاذبحوها؟
كنت أظنها مزحة.
لكنها لم تبتسم.
قالت بهدوء:
— دع الفرزدق ودجاجته، وتعال إلى زمنٍ تحدّى الله فيه أفصح العرب بالبيان. في ذلك الزمن، ستجزم أن أفصح الناس كانت امرأة.
صراع الأمثال والواقع
ارتبكتُ قليلًا.
قلتُ محاولًا استعادة زمام الحديث:
— العرب تقول: "أفصح من سحبان وائل"، وسحبان رجل… إن التبس عليكِ الأمر.
ابتسمت هذه المرة، وقالت:
— وتقول العرب: "أعيا من باقل"، وباقل رجل أيضًا. فهل صار كل رجل فصيحًا أو كل رجل عاجزًا لأن الأمثال قالت ذلك؟
لم يكن ردّها هجوميًا. كان هادئًا، لكنه أصاب شيئًا في داخلي.
كأنها لا تجادلني، بل تفكك المسلّمات التي أتكئ عليها دون أن أشعر.
قلتُ:
— حسنًا… من تقصدين؟ الخنساء؟
عائشة: مرجع الفصاحة والبيان
قالت:
— الخنساء مثال، لكنها ليست الحجة. كانت شاعرةً يُهاب بيانها، حتى إنها عاشت على رأيها في الحزن ولم يغيّره أحد بسهولة. لكنني لا أتحدث عن شاعرةٍ تنازع فحول الشعراء، بل عن امرأةٍ شهد لها الفصحاء أنفسهم.
شعرتُ أنني أضيق الاحتمالات.
قلت: — من إذًا؟
قالت بثبات: — عائشة.
سكتُّ لحظة.
اسمٌ أعرفه جيدًا.
عالمة، فقيهة، راوية، مرجع في الحديث والفقه…
لكنني — إن كنت صادقًا — لم أضعها يومًا في ذاكرتي تحت عنوان: "أفصح أهل زمانها".
قلتُ متحفظًا: — عظيمة في العلم، نعم. لكن أبلغ من رجال عصرها؟
قالت:
— اسمع شهادة من لم يكن يجامل. الأحنف بن قيس، وقد سمع خطب الخلفاء، قال إنه ما سمع أفخم ولا أحسن كلامًا من فم أحدٍ مثل ما سمع من عائشة.
ومعاوية قال: والله ما سمعت أبلغ منها قط.
تحطيم القيود الفكرية
لم يكن ردّها انفعالًا. كان استدعاءً هادئًا للشهادات.
هنا شعرتُ بشيءٍ ينكسر داخلي.
لم تكن المشكلة في صحة المعلومة، بل في دهشتي منها.
لماذا استغربتُ أصلًا أن تكون امرأة هي الأبلغ؟
في تلك اللحظة أدركت أن عبارتي الأولى لم تكن مجرد دعابة.
كانت انعكاسًا لصورةٍ راسخة:
البلاغة في مخيلتي ترتدي هيئة رجل.
حين تتجاوزها امرأة، أبحث لها عن تفسيرٍ استثنائي:
شاعرة… حالة نادرة… ظرف خاص…
لكن لماذا لا أتعامل معها بوصفها احتمالًا طبيعيًا؟
قالت لي، وكأنها تقرأ ما يدور في رأسي:
— المشكلة ليست في أن المرأة بليغة، بل في أن المجتمع اعتاد أن يصفق لبلاغة الرجل، ويستغرب بلاغة المرأة.
لم يكن في صوتها تحدٍّ، بل تقريرٌ لواقع.
— المفارقة أن المجتمع لا يعترض على ذكاء المرأة، لكنه يتوجس من تفوقها البياني. البيان سلطة، اللغة قوة، والإقناع تأثير. وحين تجتمع هذه الصفات في امرأة، فإنها تهزّ تصورات قديمة عن توزيع الأدوار. لكن التاريخ الإسلامي لم يكن قائمًا على هذه الحساسية، بل شهد حضورًا نسائيًا علميًا وأدبيًا واضحًا.
حين اعترفتُ لها في النهاية، قلت مبتسمًا:
— ذهب الشك، وابتلت العروق يقينًا. لا يريبني بعد اليوم امرأة بليغة.
ضحكت.
لكنني كنت أعلم أن ما تغيّر لم يكن رأيي فيها،
بل صورتي القديمة عن البلاغة نفسها.