في بعض الطريق، تقدّمت بغلةُ سنان النميري خطوةً على فرس الأمير عمر الفزاري، وما إن سبقت به قليلًا حتى التفت إليه الفزاري قائلاً بلهجةٍ ظاهرها اللطف وباطنها المقصود:
“غضّ من عنان بغلتك يا نميري!”
قد يظنّ السامع أن الأمير يروم التمهّل فحسب، لكن الكلمة — حين تخرج من فم فزاريٍّ خبير باللفظ — تصيب معنى أبعد من خطى الدابة. إنها كلمة تسير على سطح الحدث، لكنها تُشير إلى عمقٍ ممتد في تاريخ الهجاء حين قال جرير:
فلا كعبًا بلغتَ ولا كلابَا
هذا هو جوهر بلاغة التعريض: أن تصيب المعنى دون أن تجرحه، وأن تبلغ المقصود دون أن تُسمّيه. إنها البلاغة التي تقف بين الكناية والتلميح؛ أشهى من هذه وأخفى من تلك.
ولم يكد الفزاري يُسدل ستار التعريض حتى رفعه النميري بلمح البصر، وردّ على الفور:
“إنها مكتوبة، أصلح الله الأمير!”
على قلوصِكَ واكتُبْها بأسْيارِ
فضحك الأمير وقال: “قاتلك الله، ما قصدتُ هذا!”
فأجابه النميري: “ولا أنا…”
يا لها من لحظةٍ لغويّة خاطفة! كأنّ المعنى تحرّك قبل أن يتحرّك اللسان. بديهة لا تنكسر، وذاكرة لا تخون، ولسان لا يعتريه وَهَن.
بلاغة التأويل هي التي تجعل الناقد قادرًا على مجاراة بلاغة الشاعر، وتمكّنه من التقاط ما يختبئ بين السطور، لا ما يُلقى في ظاهرها.